ابن أبي الحديد

284

شرح نهج البلاغة

حمزة يوم أحد ، وعبيدة يوم بدر ، فاحفظ اليوم على عليا ( رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين ) ( 1 ) ، ولذلك ضن به عن مبارزة عمرو حين دعا عمرو الناس إلى نفسه مرارا ، في كلها يحجمون ويقدم على ، فيسأل الاذن له في البراز حتى قال له رسول الله صلى الله عليه وآله ( انه عمرو ) ، فقال ( وانا على ) ، فأدناه وقبله وعممه بعمامته ، وخرج معه خطوات كالمودع له ، القلق لحاله ، المنتظر لما يكون منه ، ثم لم يزل صلى الله عليه وآله رافعا يديه إلى السماء ، مستقبلا لها بوجهه ، والمسلمون صموت حوله ، كأنما على رؤوسهم الطير ، حتى ثارت الغبرة ، وسمعوا التكبير من تحتها ، فعلموا أن عليا قتل عمرا ، فكبر رسول الله صلى الله عليه وآله وكبر المسلمون تكبيرة سمعها من وراء الخندق من عساكر المشركين ، ولذلك قال حذيفة بن اليمان لو قسمت فضيلة علي عليه السلام بقتل عمرو يوم الخندق بين المسلمين بأجمعهم لوسعتهم وقال ابن عباس في قوله تعالى ( وكفى الله المؤمنين القتال ) ( 2 ) قال بعلي بن أبي طالب . قال الجاحظ على أن مشى الشجاع بالسيف إلى الاقران ، ليس على ما توهمه من لا يعلم باطن الامر ، لان معه في حال مشيه إلى الاقران بالسيف أمورا أخرى لا يبصرها الناس ، وإنما يقضون على ظاهر ما يرون من اقدامه وشجاعته ، فربما كان سبب ذلك الهوج ، وربما كان الغرارة والحداثة ، وربما كان الإحراج والحمية ، وربما كان لمحبة النفخ والأحدوثة ، وربما كان طباعا كطباع القاسي والرحيم والسخي والبخيل ( 3 )

--> ( 1 ) سورة الأنبياء 89 . ( 2 ) سورة الأحزاب 25 . ( 3 ) العثمانية 47 ، مع تصرف واختصار .